فصل: الْمَوَاضِعُ الّتِي سَجَدَ فِيهَا لِلسّهْوِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد (نسخة منقحة)



.فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي سُجُودِ السّهْوِ:

ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ إنّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكّرُونِي وَكَانَ سَهْوُهُ فِي الصّلَاةِ مِنْ تَمَامِ نِعْمَةِ اللّهِ عَلَى أُمّتِهِ وَإِكْمَالِ دِينِهِمْ لِيَقْتَدُوا بِهِ فِيمَا يَشْرَعُهُ لَهُمْ عِنْدَ السّهْوِ وَهَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمُنْقَطِعِ الّذِي فِي الْمُوَطّأِ: إنّمَا أَنْسَى أَوْ أُنَسّى لِأَسُن.

.الْمَوَاضِعُ الّتِي سَجَدَ فِيهَا لِلسّهْوِ:

وَكَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَنْسَى فَيَتَرَتّبُ عَلَى سَهْوِهِ أَحْكَامٌ شَرْعِيّةٌ تَجْرِي عَلَى سَهْوِ أُمّتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَقَامَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فِي الرّبَاعِيّةِ وَلَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا فَلَمّا قَضَى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السّلَامِ ثُمّ سَلّمَ فَأُخِذَ مِنْ هَذَا قَاعِدَةً أَنّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ أَجْزَاءِ الصّلَاةِ الّتِي لَيْسَتْ بِأَرْكَانٍ سَهْوًا سَجَدَ لَهُ قَبْلَ السّلَامِ وَأُخِذَ مِنْ بَعْضِ طُرُقِهِ أَنّهُ إذَا تَرَكَ ذَلِكَ وَشَرَعَ فِي رُكْنٍ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْمَتْرُوكِ لِأَنّهُ لَمّا قَامَ سَبّحُوا فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ قُومُوا. وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي مَحَلّ هَذَا السّجُودِ فَفِي الصّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ مِنْ الظّهْرِ وَلَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا فَلَمّا قَضَى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمّ سَلّمَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةٍ مُتّفَقٍ عَلَيْهَا: يُكَبّرُ فِي كُلّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلّمَ الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ الْمَسْعُودِيّ عَنْ زِيَادِ بْنِ عَلَاقَةَ قَالَ صَلّى بِنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَلَمّا صَلّى رَكْعَتَيْنِ قَامَ وَلَمْ يَجْلِسْ فَسَبّحَ بِهِ مَنْ خَلْفَهُ فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ قُومُوا فَلَمّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ سَلّمَ ثُمّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَسَلّمَ ثُمّ قَالَ هَكَذَا صَنَعَ بِنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَصَحّحَهُ التّرْمِذِيّ. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيّ قَالَ صَلّى بِنَا عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيّ فَقَامَ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ فَقَالَ النّاسُ سُبْحَانَ اللّهِ سُبْحَانَ اللّهِ فَلَمْ يَجْلِسْ وَمَضَى عَلَى قِيَامِهِ فَلَمّا كَانَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السّهْوِ وَهُوَ جَالِسٌ فَلَمّا سَلّمَ قَالَ إنّي سَمِعْتُكُمْ آنِفًا تَقُولُونَ سُبْحَانَ اللّهِ لَكَيْمَا أَجْلِسَ لَكِنّ السّنّةَ الّذِي صَنَعْتُ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ أَوْلَى لِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنّهُ أَصَحّ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ.
الثّانِي: أَنّهُ أَصْرَحُ مِنْهُ فَإِنّ قَوْلَ الْمُغِيرَةِ وَهَكَذَا صَنَعَ بِنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَجُوزُ أَنْ يُرْجَعَ إلَى جَمِيعِ مَا فَعَلَ الْمُغِيرَةِ وَيَكُونُ قَدْ سَجَدَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي هَذَا بُحَيْنَةَ مَا شَاهَدَهُ وَحَكَى الْمُغِيرَةُ مَا شَاهَدَهُ فَيَكُونُ كِلَا الْأَمْرَيْنِ جَائِزًا وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ الْمُغِيرَةُ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَامَ وَلَمْ يَرْجِعْ ثُمّ سَجَدَ لِلسّهْوِ.
الثّالِثُ أَنّ الْمُغِيرَةَ لَعَلّهُ نَسِيَ السّجُودَ قَبْلَ السّلَامِ وَسَجَدَهُ بَعْدَهُ وَهَذِهِ صِفَةُ السّهْوِ وَهَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي السّجُودِ قَبْلَ السّلَامِ وَاللّهُ أَعْلَمُ.

.فَصْلٌ:

وَسَلّمَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيّ إمّا الظّهْرُ وَإِمّا الْعَصْرُ ثُمّ تَكَلّمَ ثُمّ أَتَمّهَا ثُمّ سَلّمَ ثُمّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السّلَامِ وَالْكَلَامِ يُكَبّرُ حِينَ يَسْجُدُ ثُمّ يُكَبّرُ حِينَ يَرْفَعُ وَذَكَرَ أَبُو دَاوُد وَالتّرْمِذِيّ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَلّى بِهِمْ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمّ تَشَهّدَ ثُمّ سَلّمَ وَقَالَ التّرْمِذِيّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَصَلّى يَوْمًا فَسَلّمَ وَانْصَرَفَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الصّلَاةِ رَكْعَةٌ فَأَدْرَكَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللّهِ فَقَالَ نَسِيت مِنْ الصّلَاةِ رَكْعَةً فَرَجَعَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصّلَاةَ فَصَلّى لِلنّاسِ رَكْعَةً ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ. وَصَلّى الظّهْرَ خَمْسًا فَقِيلَ لَهُ زِيدَ فِي الصّلَاةِ؟ قَالَ وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلّيْتَ خَمْسًا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلّم مُتّفَقٌ عَلَيْهِ. وَصَلّى الْعَصْرَ ثَلَاثًا ثُمّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَذَكَرَهُ النّاسُ فَخَرَجَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً ثُمّ سَلّمَ ثُمّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمّ سَلّمَ فَهَذَا مَجْمُوعُ مَا حُفِظَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ سَهْوِهِ فِي الصّلَاةِ وَهُوَ خَمْسَةُ مَوَاضِعَ وَقَدْ تَضَمّنَ سُجُودُهُ فِي بَعْضِهِ قَبْلَ السّلَامِ وَفِي بَعْضِهِ بَعْدَهُ. فَقَالَ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ كُلّهُ قَبْلَ السّلَامِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللّهُ كُلّهُ بَعْدَ السّلَامِ. وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللّهُ كُلّ سَهْوٍ كَانَ نُقْصَانًا فِي الصّلَاةِ فَإِنّ سُجُودَهُ قَبْلَ السّلَامِ وَكُلّ سَهْوٍ كَانَ زِيَادَةً فِي الصّلَاةِ فَإِنّ سُجُودَهُ بَعْدَ السّلَامِ وَإِذَا اجْتَمَعَ سَهْوَانِ زِيَادَةٌ وَنُقْصَانٌ فَالسّجُودُ لَهُمَا قَبْلَ السّلَامِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرّ: هَذَا مَذْهَبُهُ لَا خِلَافَ عَنْهُ فِيهِ وَلَوْ سَجَدَ أَحَدٌ عِنْدَهُ لِسَهْوِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَجَعَلَ السّجُودَ كُلّهُ بَعْدَ السّلَامِ أَوْ كُلّهُ قَبْلَ السّلَامِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنّهُ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ وَالسّلَفِ مِنْ هَذِهِ الْأُمّةِ فِي ذَلِكَ. وَأَمّا الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ فَقَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَسْأَلُ عَنْ سُجُودِ السّهْوِ قَبْلَ السّلَامِ أَمْ بَعْدَهُ؟ فَقَالَ فِي مَوَاضِعَ قَبْلَ السّلَامِ وَفِي مَوَاضِعَ بَعْدَهُ كَمَا صَنَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ سَلّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ ثُمّ سَجَدَ بَعْدَ السّلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصّةِ ذِي الْيَدَيْنِ. وَمَنْ سَلّمَ مِنْ ثَلَاثٍ سَجَدَ أَيْضًا بَعْدَ السّلَامِ عَلَى حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. وَفِي التّحَرّي يَسْجُدُ بَعْدَ السّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِي الْقِيَامِ مِنْ اثْنَتَيْنِ يَسْجُدُ قَبْلَ السّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ وَفِي الشّكّ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ وَيَسْجُدُ قَبْلَ السّلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ وَحَدِيثِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. قَالَ الْأَثْرَمُ: فَقُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَمَا كَانَ سِوَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ؟ قَالَ يَسْجُدُ فِيهَا كُلّهَا قَبْلَ السّلَامِ لِأَنّهُ يُتِمّ مَا نَقَصَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ وَلَوْلَا مَا رُوِيَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَرَأَيْتُ السّجُودَ كُلّهُ قَبْلَ السّلَامِ لِأَنّهُ مِنْ شَأْنِ الصّلَاةِ فَيَقْضِيهِ قَبْلَ السّلَامِ وَلَكِنْ أَقُولُ كُلّ مَا رُوِيَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ سَجَدَ فِيهِ بَعْدَ السّلَامِ فَإِنّهُ يَسْجُدُ فِيهِ بَعْدَ السّلَامِ وَسَائِرِ السّهْوِ يَسْجُدُ فِيهِ قَبْلَ السّلَامِ. وَقَالَ دَاوُد بْنُ عَلِيّ: لَا يَسْجُدُ أَحَدٌ لِلسّهْوِ إلّا فِي الْخَمْسَةِ الْمَوَاضِعِ الّتِي سَجَدَ فِيهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ. انْتَهَى. وَأَمّا الشّكّ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَلْ أَمَرَ فِيهِ بِالْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ وَإِسْقَاطِ الشّكّ وَالسّجُودِ قَبْلَ السّلَامِ. فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الشّكّ عَلَى وَجْهَيْنِ الْيَقِينُ وَالتّحَرّي فَمَنْ رَجَعَ إلَى الْيَقِينِ أَلْغَى الشّكّ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْ السّهْوِ قَبْلَ السّلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ وَإِذَا رَجَعَ إلَى التّحَرّي وَهُوَ أَكْثَرُ الْوَهْمِ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السّهْوِ بَعْدَ السّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الّذِي يَرْوِيهِ مَنْصُورٌ. انْتَهَى. وَأَمّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَهُوَ إذَا شَكّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلّى أَثَلَاثَا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشّكّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلّمَ وَأَمّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَهُوَ إذَا شَكّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرّ الصّوَابَ ثُمّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْن مُتّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَفِي لَفْظِ الصّحِيحَيْنِ: تُمّ يُسَلّمُ ثُمّ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ وَهَذَا هُوَ الّذِي قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَإِذَا رَجَعَ إلَى التّحَرّي سَجَدَ بَعْدَ السّلَامِ. وَالْفَرْقُ عِنْدَهُ بَيْنَ التّحَرّي وَالْيَقِينِ أَنّ الْمُصَلّيَ إذَا كَانَ إمَامًا بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنّهِ وَأَكْثَرِ وَهْمِهِ وَهَذَا هُوَ التّحَرّي فَيَسْجُدُ لَهُ بَعْدَ السّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا بَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَسَجَدَ قَبْلَ السّلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ فِي تَحْصِيلِ ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ. وَعَنْهُ رِوَايَتَانِ مَذْهَبُ الشّافِعِيّ وَمَالِكٍ وَالْأُخْرَى: عَلَى غَالِبِ ظَنّهِ مُطْلَقًا وَظَاهِرُ نُصُوصِهِ إنّمَا يَدُلّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الشّكّ وَبَيْنَ الظّنّ الْغَالِبِ الْقَوِيّ فَمَعَ الشّكّ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ وَمَعَ أَكْثَرِ الْوَهْمِ أَوْ الظّنّ الْغَالِبِ يَتَحَرّى وَعَلَى هَذَا مَدَارُ أَجْوِبَتِهِ. وَعَلَى الْحَالَيْنِ حَمْلُ الْحَدِيثَيْنِ وَاللّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللّهُ فِي الشّكّ إذَا كَانَ أَوّلَ مَا عَرَضَ لَهُ اسْتَأْنَفَ الصّلَاةَ فَإِنْ عَرَضَ لَهُ كَثِيرًا فَإِنْ كَانَ لَهُ ظَنّ غَالِبٌ بَنَى عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ظَنّ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ.

.فَصْلٌ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ فِي الصّلَاةِ:

وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ فِي الصّلَاةِ وَقَدْ تَقَدّمَ أَنّهُ كَانَ فِي التّشَهّدِ يُومِئُ بِبَصَرِهِ إلَى أُصْبُعِهِ فِي الدّعَاءِ وَلَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إشَارَتَهُ وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمِيطِي عَنّي قِرَامَكِ هَذَا فَإِنّهُ لَا تَزَالَ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي وَلَوْ كَانَ يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ فِي صَلَاتِهِ لَمَا عَرَضَتْ لَهُ فِي صَلَاتِهِ. وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ لِأَنّ الّذِي كَانَ يَعْرِضُ لَهُ فِي صَلَاتِهِ هَلْ تَذَكّرُ تِلْكَ التّصَاوِيرِ بَعْدَ رُؤْيَتِهَا أَوْ نَفْسِ رُؤْيَتِهَا؟ هَذَا مُحْتَمَلٌ وَهَذَا مُحْتَمَلٌ وَأَبْيَنُ دَلَالَةً مِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَلّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ فَنَظَرَ إلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً فَلَمّا انْصَرَفَ قَالَ اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِإِنْبِجَانِيّةِ أَبِي جَهْمٍ فَإِنّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا أَيْضًا مَا فِيهِ إذْ غَايَتُهُ أَنّهُ حَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ إلَيْهَا فَشَغَلَتْهُ تِلْكَ الِالْتِفَاتَةُ وَلَا يَدُلّ حَدِيثُ الْتِفَاتِهِ إلَى الشّعْبِ لَمّا أَرْسَلَ إلَيْهِ الْفَارِسَ طَلِيعَةً لِأَنّ ذَلِكَ النّظَرَ وَالِالْتِفَاتَ مِنْهُ كَانَ لِلْحَاجَةِ لِاهْتِمَامِهِ بِأُمُورِ الْجَيْشِ وَقَدْ يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ مَدّ يَدِهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ لِيَتَنَاوَلَ الْعُنْقُودَ لَمّا رَأَى الْجَنّةَ وَكَذَلِكَ رُؤْيَتُهُ النّارَ وَصَاحِبَةَ الْهِرّةِ فِيهَا وَصَاحِبَ الْمِحْجَنِ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ مُدَافَعَتِهِ لِلْبَهِيمَةِ الّتِي أَرَادَتْ أَنْ تَمُرّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَرَدّهُ الْغُلَامَ وَالْجَارِيَةَ وَحَجْزُهُ بَيْنَ الْجَارِيَتَيْنِ وَكَذَلِكَ أَحَادِيثُ رَدّ السّلَامِ بِالْإِشَارَةِ عَلَى مَنْ سَلّمَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الصّلَاةِ فَإِنّهُ إنّمَا كَانَ يُشِيرُ إلَى مَنْ يَرَاهُ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ تَعَرّضِ الشّيْطَانِ لَهُ فَأَخَذَهُ فَخَنَقَهُ وَكَانَ ذَلِكَ رُؤْيَةَ عَيْنٍ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَغَيْرُهَا يُسْتَفَادُ مِنْ مَجْمُوعِهَا الْعِلْمُ بِأَنّهُ لَمْ يَكُنْ يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ فِي الصّلَاةِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَرَاهَتِهِ فَكَرِهَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَقَالُوا: هُوَ الْيَهُودِ وَأَبَاحَهُ جَمَاعَةٌ وَلَمْ يُكَرّهُوهُ وَقَالُوا: قَدْ يَكُونُ أَقْرَبَ إلَى تَحْصِيلِ الْخُشُوعِ الّذِي هُوَ رُوحُ الصّلَاةِ وَسِرّهَا وَمَقْصُودُهَا. وَالصّوَابُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ تَفْتِيحُ الْعَيْنِ لَا يُخِلّ بِالْخُشُوعِ فَهُوَ أَفَضْلُ وَإِنْ كَانَ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخُشُوعِ لِمَا فِي قِبْلَتِهِ مِنْ الزّخْرَفَةِ وَالتّزْوِيقِ أَوْ غَيْرِهِ مِمّا يُشَوّشُ عَلَيْهِ قَلْبَهُ فَهُنَالِكَ لَا يُكْرَهُ التّغْمِيضُ قَطْعًا وَالْقَوْلُ بِاسْتِحْبَابِهِ فِي هَذَا الْحَالِ أَقْرَبُ إلَى أُصُولِ الشّرْعِ وَمَقَاصِدِهِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ وَاللّهُ أَعْلَمُ.

.فَصْلٌ فِيمَا كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُهُ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ الصّلَاةِ:

وَجُلُوسِهِ بَعْدَهَا وَسُرْعَةِ الِانْتِقَالِ مِنْهَا وَمَا شَرَعَهُ لِأُمّتِهِ مِنْ الْأَذْكَارِ وَالْقِرَاءَةِ بَعْدَهَا كَانَ إذَا سَلّمَ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا وَقَالَ اللّهُمّ أَنْتَ السّلَامُ وَمِنْكَ السّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَلَمْ يَمْكُثْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ إلّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ ذَلِكَ بَلْ يُسْرِعُ الِانْتِقَالَ إلَى الْمَأْمُومِينَ. وَكَانَ يَنْفَتِلُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ وَقَالَ أَنَسٌ أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِه وَالْأَوّلُ فِي الصّحِيحَيْنِ.
وَالثّانِي فِي مُسْلِمٍ وَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمْرٍو: رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَنْفَتِلُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ فِي الصّلَاة. ثُمّ كَانَ يُقْبِلُ عَلَى الْمَأْمُومِينَ بِوَجْهِهِ وَلَا يَخُصّ نَاحِيَةً مِنْهُمْ دُونَ نَاحِيَةٍ وَكَانَ إذَا صَلّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلّاهُ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ. وَكَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللّهُمّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدّ مِنْكَ الْجَدّ. وَكَانَ يَقُولُ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِاَللّهِ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَلَا نَعْبُدُ إلّا إيّاهُ لَهُ النّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثّنَاءُ الْحَسَنُ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ وَذَكَرَ أَبُو دَاوُد عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ إذَا سَلّمَ مِنْ الصّلَاةِ قَالَ اللّهُمّ اغْفِرْ لِي مَا قَدّمْت وَمَا أَخّرْت وَمَا أَسَرَرْت وَمَا أَعْلَنْت وَمَا أَسْرَفْت وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنّي أَنْتَ الْمُقَدّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخّرُ لَا إلَهَ إلّا أَنْت قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثِ عَلِيّ الطّوِيلِ الّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي اسْتِفْتَاحِهِ عَلَيْهِ الصّلَاةُ وَالسّلَامُ وَمَا كَانَ يَقُولُهُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ. وَلِمُسْلِمٍ فِيهِ لَفْظَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يَقُولُهُ بَيْنَ التّشَهّدِ وَالتّسْلِيمِ وَهَذَا هُوَ الصّوَابُ.
وَالثّانِي: كَانَ يَقُولُهُ بَعْدَ السّلَامِ وَلَعَلّهُ كَانَ يَقُولُهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاللّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلّ صَلَاةٍ اللّهُمّ رَبّنَا وَرَبّ كُلّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ أَنَا شَهِيدٌ أَنّكَ الرّبّ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَك اللّهُمّ رَبّنَا وَرَبّ كُلّ شَيْءٍ أَنَا شَهِيدٌ أَنّ مُحَمّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُك اللّهُمّ رَبّنَا وَرَبّ كُلّ شَيْءٍ؟ أَنَا شَهِيدٌ أَنّ الْعِبَادَ كُلّهُمْ إخْوَةٌ اللّهُمّ رَبّنَا وَرَبّ كُلّ شَيْءٍ اجْعَلْنِي مُخْلِصًا لَكَ وَأَهْلِي فِي كُلّ سَاعَةٍ مِنْ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ اسْمَعْ وَاسْتَجِبْ اللّهُ أَكْبَرُ الْأَكْبَرُ اللّهُ نُورُ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ اللّهُ أَكْبَرُ الْأَكْبَرُ حَسْبِي اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ اللّهُ أَكْبَرُ الْأَكْبَر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَنَدَبَ أُمّتَهُ إلَى أَنْ يَقُولُوا فِي دُبُرِ كُلّ صَلَاةٍ سُبْحَانَ اللّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَالْحَمْدُ لِلّهِ كَذَلِكَ وَاللّهُ أَكْبَرُ كَذَلِكَ وَتَمَامُ الْمِائَةِ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَفِي صِفَةٍ أُخْرَى: التّكْبِيرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ فَتَتِمّ بِهِ الْمِائَةَ. خَمْسًا وَعِشْرِينَ تَسْبِيحَةً وَمِثْلُهَا تَحْمِيدَةً وَمِثْلُهَا تَكْبِيرَةً وَمِثْلُهَا لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِير وَفِي صِفَةٍ أُخْرَى: عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ وَعَشْرَ تَحْمِيدَاتٍ وَعَشْرَ تَكْبِيرَاتٍ صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَيُسَبّحُونَ وَيَحْمَدُونَ وَيُكَبّرُونَ دُبُرَ كُلّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ إحْدَى عَشْرَةَ وَإِحْدَى عَشْرَةَ وَإِحْدَى عَشْرَةَ فَذَلِكَ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَاَلّذِي يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الصّفَةِ أَنّهَا مِنْ تَصَرّفِ بَعْضِ الرّوَاةِ وَتَفْسِيرِهِ لِأَنّ لَفْظَ الْحَدِيثِ: «يُسَبّحُونَ وَيَحْمَدُونَ وَيُكَبّرُونَ دُبُرَ كُلّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ» وَإِنّمَا مُرَادُهُ بِهَذَا أَنْ يَكُونَ الثّلَاثُ وَالثّلَاثُونَ فِي كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْ كَلِمَاتِ التّسْبِيحِ وَالتّحْمِيدِ وَالتّكْبِيرِ أَيْ قُولُوا: سُبْحَانَ اللّهِ وَالْحَمْدُ لِلّهِ وَاللّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ لِأَنّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ سُمَيّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السّمّانِ وَبِذَلِكَ فَسّرَهُ أَبُو صَالِحٍ قَالَ قُولُوا: سُبْحَانَ اللّهِ وَالْحَمْدُ لِلّهِ وَاللّهُ أَكْبَرُ حَتّى يَكُونَ مِنْهُنّ كُلّهِنّ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُون وَأَمّا تَخْصِيصُهُ بِإِحْدَى عَشْرَةَ فَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَذْكَارِ بِخِلَافِ الْمِائَةِ فَإِنّ لَهَا نَظَائِرَ وَالْعَشْرُ لَهَا نَظَائِرُ أَيْضًا كَمَا فِي السّنَنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرّ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ: «مَنْ قَالَ فِي دُبُرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلّمَ لَا إلَهَ إلَا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرّاتٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَمُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ وَكَانَ يَوْمَهُ ذَلِكَ كُلّهُ فِي حِرْزٍ مِنْ كُلّ مَكْرُوهٍ وَحُرِسَ مِنْ الشّيْطَانِ وَلَمْ يَنْبَغِ لِذَنْبٍ أَنْ يُدْرِكَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إلّا الشّرْكَ بِاَللّهِ». قَالَ التّرْمِذِيّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أُمّ سَلَمَةَ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلّمَ ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ لَمّا جَاءَتْ تَسْأَلُهُ الْخَادِمَ فَأَمَرَهَا: أَنْ تُسَبّحَ اللّهَ عِنْدَ النّوْمِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدَهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتُكَبّرَهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَإِذَا صَلّتْ الصّبْحَ أَنْ تَقُولَ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرّاتٍ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ عَشْرَ مَرّاتٍ صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ عَنْ أَبِي أَيّوبٍ الْأَنْصَارِيّ يَرْفَعُهُ مَنْ قَالَ إذَا أَصْبَحَ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرّاتٍ كُتِبَ لَهُ بِهِنّ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَمُحِيَ عَنْهُ بِهِنّ عَشْرُ سَيّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ بِهِنّ عَشْرُ دَرَجَاتٍ وَكُنّ لَهُ عِدْلَ عَتَاقَةِ أَرْبَعِ رِقَابٍ وَكُنّ لَهُ حَرَسًا مِنْ الشّيْطَانِ حَتّى يُمْسِي وَمَنْ قَالَهُنّ إذَا صَلّى الْمَغْرِبَ دُبُرَ صَلَاتِهِ فَمِثْلُ ذَلِكَ حَتّى يُصْبِحَ وَقَدْ تَقَدّمَ قَوْلُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الِاسْتِفْتَاحِ اللّهُ أَكْبَرُ عَشْرًا وَالْحَمْدُ للّهِ عَشْرًا وَسُبْحَانَ اللّهِ عَشْرًا وَلَا إلَهَ إلّا اللّهُ عَشْرًا وَيَسْتَغْفِرُ اللّهَ عَشْرًا وَيَقُولُ اللّهُمّ اغْفِرْ لِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي عَشْرًا وَيَتَعَوّذُ مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَشْرًا فَالْعَشْرُ فِي الْأَذْكَارِ وَالدّعَوَاتِ كَثِيرَةٌ. وَأَمّا الْإِحْدَى عَشْرَةَ فَلَمْ يَجِئْ ذِكْرُهَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْبَتّةَ إلّا فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدّمِ وَاللّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ صَلَاتِهِ اللّهُمّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الّذِي جَعَلْتَهُ عِصْمَةَ أَمْرِي وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الّتِي جَعَلْتَ فِيهَا مَعَاشِي اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِك وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ نِقْمَتِك وَأَعُوذُ بِكَ مِنْك لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدّ مِنْكَ الْجَدّ وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ أَبِي أَيّوبَ أَنّهُ قَالَ مَا صَلّيْتُ وَرَاءَ نَبِيّكُمْ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلّا سَمِعْتُهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ يَقُولُ اللّهُمّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَذُنُوبِي كُلّهَا اللّهُمّ أَنْعِمْنِي وَأَحْيِنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي لِصَالِحِ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ إنّهُ لَا يَهْدِي لِصَالِحِهَا إلّا أَنْتَ وَلَا يَصْرِفُ عَنْ سَيّئِهَا إلّا أَنْتَ وَذَكَرَ ابْنُ حِبّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ مُسْلِمٍ التّمِيمِيّ قَالَ قَالَ لِي النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا صَلّيْتَ الصّبْحَ فَقُلْ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلّمَ: اللّهُمّ أَجِرْنِي مِنْ النّارِ سَبْعَ مَرّاتٍ فَإِنّكَ إنْ مُتّ مِنْ يَوْمِك كَتَبَ اللّهُ لَكَ جَوَارًا مِنْ النّارِ وَإِذَا صَلّيْتَ الْمَغْرِبَ فَقُلْ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلّمَ اللّهُمّ أَجِرْنِي مِنْ النّارِ سَبْعَ مَرّاتٍ؟ فَإِنّكَ إنْ مُتّ مِنْ لَيْلَتِكَ كَتَبَ اللّهُ لَكَ جِوَارًا مِنْ النّارِ وَقَدْ ذَكَرَ النّسَائِيّ فِي السّنَنِ الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيّ فِي دُبُرِ كُلّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنّةِ إلّا أَنْ يَمُوتَ» وَهَذَا الْحَدِيثُ تَفَرّدَ بِهِ مُحَمّدُ بْنُ حِمْيَرَ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَلْهَاَنِيّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَرَوَاهُ النّسَائِيّ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ حِمْيَرَ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ النّاسِ مَنْ يُصَحّحُهُ وَيَقُولُ الْحُسَيْنُ بْنُ بِشْرٍ قَدْ قَالَ فِيهِ النّسَائِيّ: لَا بَأْسَ بِهِ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ ثِقَةٌ. وَأَمّا الْمُحَمّدَانِ فَاحْتَجّ بِهِمَا الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحِهِ قَالُوا: فَالْحَدِيثُ عَلَى رَسْمِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ مَوْضُوعٌ وَأَدْخَلَهُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيّ فِي كِتَابِهِ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَتَعَلّقَ عَلَى مُحَمّدِ بْنِ حِمْيَرَ وَأَنّ أَبَا حَاتِمٍ الرّازِيّ قَالَ لَا يُحْتَجّ بِهِ وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: لَيْسَ بِقَوِيّ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْحُفّاظِ وَوَثّقُوا مُحَمّدًا وَقَالَ هُوَ أَجَلّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ وَقَدْ احْتَجّ بِهِ أَجَلّ مِنْ صِنْفٍ فِي الْحَدِيثِ الصّحِيحِ وَهُوَ الْبُخَارِيّ وَوَثّقَهُ أَشَدّ النّاسِ مَقَالَةً فِي الرّجَالِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَقَدْ رَوَاهُ الطّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمِهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ حَسَنٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيّ فِي دُبُرِ الصّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ فِي ذِمّةِ اللّهِ إلَى الصّلَاةِ الْأُخْرَى» وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ وَعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللّهِ بْن عُمَرَ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَفِيهَا كُلّهَا ضَعْفٌ وَلَكِنْ إذَا انْضَمّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ مَعَ تَبَايُنِ طُرُقِهَا وَاخْتِلَافِ مَخَارِجِهَا دَلّتْ عَلَى أَنّ الْحَدِيثَ لَهُ أَصْلٌ وَلَيْسَ بِمَوْضُوعٍ. وَبَلَغَنِي عَنْ شَيْخِنَا أَبِي الْعَبّاسِ ابْنِ تَيْمِيّةَ قَدّسَ اللّهُ رُوحَهُ أَنّهُ قَالَ مَا تَرَكْتُهَا عَقِيبَ كُلّ صَلَاةٍ. وَفِي الْمُسْنَدِ وَالسّنَنِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ أَمَرَنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوّذَاتِ فِي دُبُرِ كُلّ صَلَاةٍ. وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ ابْنُ حِبّانَ فِي وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَلَفْظُ التّرْمِذِيّ بِالْمُعَوّذَتَيْنِ. وَفِي مُعْجَمِ الطّبَرَانِيّ ومُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ نَبْهَانَ وَقَدْ تُكُلّمَ فِيهِ عَنْ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ ثَلَاثٌ مَنْ جَاءَ بِهِنّ مَعَ الْإِيمَانِ دَخَلَ مِنْ أَيّ أَبْوَابِ الْجَنّةِ شَاءَ وَزُوّجَ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ حَيْثُ شَاءَ مَنْ عَفَا عَنْ قَاتِلِهِ وَأَدّى دَيْنًا خَفِيّا وَقَرَأَ فِي دُبُرِ كُلّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ عَشْرَ مَرّاتٍ قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَد فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَوْ إحْدَاهُنّ يَا رَسُولَ اللّهِ: قَالَ أَوْ إحْدَاهُنّ. وَأَوْصَى مُعَاذًا أَنْ يَقُولَ فِي دُبُرِ كُلّ صَلَاةٍ اللّهُمّ أَعِنّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِك وَدُبُرُ الصّلَاةِ يَحْتَمِلُ قَبْلَ السّلَامِ وَبَعْدَهُ وَكَانَ شَيْخُنَا يُرَجّحُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ السّلَامِ فَرَاجَعْته فيه، فقال: دُبُرُ كُلّ شَيْءٍ منه، كَدُبُرِ الْحَيَوَانِ.